نزع السلاح قبل البناء.. تعقيدات تعرقل تمويل "إعادة إعمار غزة"
نزع السلاح قبل البناء.. تعقيدات تعرقل تمويل "إعادة إعمار غزة"
تعيش غزة واحدة من أكثر لحظاتها قسوة منذ عقود، حيث يقف أكثر من مليوني إنسان أمام مشهد واسع من الدمار والركام، دون أفق واضح لبدء إعادة الإعمار، فبعد حرب مدمرة استمرت نحو عامين، لا تزال الخطط الدولية لإعادة بناء القطاع حبيسة الخلافات السياسية والأمنية، في وقت لم تحصل فيه الولايات المتحدة حتى الآن على أي تعهدات تمويلية ملموسة لتنفيذ خطة إعادة الإعمار المقترحة.
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز عن مصادر مطلعة الأربعاء، فإن المانحين المحتملين يبدون قلقا متزايدا من أن الخلافات العميقة حول نزع سلاح حركة حماس قد تدفع إسرائيل إلى استئناف الحرب الشاملة في غزة، ما يجعل أي استثمار أو تمويل لإعادة الإعمار محفوفا بمخاطر عالية، هذه المخاوف ألقت بظلالها الثقيلة على مصير خطة دولية كانت توصف بأنها خطوة مفصلية نحو إنهاء الحرب وبدء مرحلة جديدة في القطاع المحاصر.
خطة مشروطة بنزع السلاح
يشكل نزع سلاح حركة حماس أحد الشروط الجوهرية في الخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، وتنص الخطة على انسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع، مقابل نزع سلاح الحركة، على أن تتولى جهة دولية أطلق عليها اسم مجلس السلام، بقيادة الولايات المتحدة، الإشراف على عملية إعادة الإعمار.
وحصلت هذه الخطة على دفعة سياسية هذا الأسبوع مع إعادة فتح معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر، وهو ما اعتبره مراقبون إشارة إيجابية على إمكانية تحريك الملف الإنساني، غير أن مصادر مقربة من حماس أكدت أن الحركة لم تبدأ حتى الآن أي محادثات جدية حول إلقاء السلاح، وهو ما يفترض أن يسبق الشروع في إعادة بناء المدن والأحياء التي دمرت على نطاق واسع.
تردد المانحين وتأجيل التمويل
قال مصدران على اطلاع مباشر بخطط مجلس السلام إن عددا من الدول لا يزال مترددا في تخصيص أموال لخطة إعادة الإعمار التي كشف عنها الشهر الماضي جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، وذلك قبل التأكد من تنفيذ نزع سلاح حماس، وأوضح أحد المصدرين أن الدول المانحة تريد ضمانات واضحة بأن أموالها ستوجه إلى مناطق منزوعة السلاح، وليس إلى بيئة قد تعود سريعا إلى دائرة الحرب.
وأضاف المصدر أن تجاوز هذه العقبة السياسية والأمنية قد يفتح الباب أمام تدفق التمويل، مؤكدا أن المشكلة ليست في توفر الأموال بحد ذاتها، بل في المخاطر المرتبطة بالوضع الأمني غير المستقر.
إلى جانب ذلك، كشف سبعة دبلوماسيين غربيين وفقا لرويترز أن تأخير التمويل يرتبط أيضا بمطالب بعض المانحين المحتملين بأن تتولى الأمم المتحدة إدارة الأموال، بدلا من مجلس السلام المقترح، في محاولة لتعزيز الشفافية وتقليل الطابع السياسي للمشروع.
أثر مباشر على حياة السكان
انعكس هذا التباطؤ في التمويل بشكل مباشر على حياة سكان غزة، الذين يعيشون حالة من عدم اليقين واليأس، فغياب الأموال حال دون البدء في إزالة الأنقاض أو إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، مثل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي. كما غذى المخاوف من أن وقف إطلاق النار الهش، الذي تم التوصل إليه في أكتوبر 2025، قد ينهار في أي لحظة، خاصة مع استمرار القيود والضربات الإسرائيلية المتفرقة على القطاع.
ويخشى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة من أن يؤدي انهيار التهدئة إلى جولة جديدة من القتال العنيف، تقضي على ما تبقى من فرص الإعمار والاستقرار، وتفاقم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة.
أرقام ضخمة ورؤية مثيرة للجدل
قدرت المصادر تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 100 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع، وخلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 22 يناير، تحدث جاريد كوشنر عن رؤية طموحة لما وصفه بغزة الجديدة، مشيرا إلى أنها ستعاد بناؤها من الصفر لتضم أبراجا سكنية على شاطئ البحر، ومراكز بيانات، ومجمعات صناعية حديثة.
غير أن هذه الرؤية أثارت تساؤلات وانتقادات واسعة، إذ لا تتضمن الخطة دفع تعويضات للفلسطينيين الذين دمرت منازلهم، كما لا تقدم إجابات واضحة حول حقوق ملكية الأراضي، وهي قضية شديدة الحساسية في قطاع مكتظ بالسكان ويعاني من تعقيدات قانونية وتاريخية عميقة.
القطاع الخاص وأوروبا ودول الخليج
أعلن كوشنر في دافوس عن نية عقد فعالية في واشنطن خلال الأسابيع المقبلة للإعلان عن مساهمات كبيرة من القطاع الخاص، لكن مصادر مطلعة على تخطيط مجلس السلام أكدت أن موعد هذا المؤتمر لم يتحدد بعد، رغم وجود مناقشات فردية مع مستثمرين محتملين.
في المقابل، نفى دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى التزام أي دولة أوروبية أو غربية حتى الآن بتقديم أموال لإعادة إعمار غزة، مشيرا إلى أن الدول الأوروبية تواجه قيودا مالية ومعارضة داخلية متزايدة للإنفاق على المساعدات الخارجية، وأضاف أن الاعتماد سيكون بشكل أساسي على أموال القطاع الخاص، في ظل محدودية قدرة الحكومات الأوروبية على التمويل.
حماس وإسرائيل بين السلاح والحرب
بعد الهجوم الإسرائيلي الذي استمر نحو عامين ودمر معظم قطاع غزة، تشير تقديرات استخباراتية غربية إلى أن حماس لا تزال تمتلك مئات الصواريخ وآلاف قطع الأسلحة الخفيفة، ويؤكد مسؤولون إسرائيليون كبار أنهم لا يعتقدون أن الحركة ستلقي سلاحها دون استخدام القوة، مشيرين إلى أن الجيش يستعد لاحتمال العودة إلى الحرب.
في المقابل، قال مسؤولان في حماس وفقا لرويترز إن الحركة وافقت مبدئيا على مناقشة مسألة نزع السلاح مع الفصائل الفلسطينية الأخرى، لكنهما أكدا أن واشنطن والوسطاء الإقليميين لم يقدموا حتى الآن أي مقترح تفصيلي أو ملموس بهذا الشأن.
الأنقاض كأولوية أولى
من بين التحديات العاجلة التي تواجه غزة، إزالة ما يقدر بنحو 68 مليون طن من الأنقاض ومخلفات الحرب، وأفاد مصدر مطلع ومسؤول أمريكي بأن مجلس السلام يجري محادثات مع عدة جهات لمنح عقود محتملة لإزالة الركام، باعتبارها الخطوة الأولى لأي عملية إعادة إعمار.
وأوضح المصدر أن الخطة قد تشمل منح عدة عقود، على أن تتولى لجنة تكنوقراط فلسطينية، تعمل تحت إشراف مجلس السلام، إدارة المناقصات ومنح العقود مستقبلا، في محاولة لإشراك الفلسطينيين في إدارة شؤون الإعمار وتقليل الاحتقان المحلي.
تأتي خطة إعادة إعمار غزة في سياق سياسي وأمني شديد التعقيد، حيث تتداخل اعتبارات الأمن الإقليمي مع المصالح الدولية والاعتبارات الإنسانية، فمنذ اندلاع الحرب الأخيرة، تعرض القطاع لدمار غير مسبوق طال المنازل والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية الحيوية، وفي ظل غياب حل سياسي شامل يضمن الأمن والاستقرار، تبقى جهود الإعمار رهينة الشروط الأمنية والخلافات الدولية، ويؤكد مراقبون أن مستقبل غزة لا يتوقف فقط على توفر التمويل، بل على وجود رؤية عادلة وشاملة تضع الإنسان الفلسطيني وحقوقه في صلب أي مشروع لإعادة البناء، وتمنع تكرار دورات الدمار والحرب التي أنهكت القطاع وسكانه لعقود.











